يحيي بن حمزة العلوي اليمني

25

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ثم عطف يَشْفِينِ بالفاء ؛ لأن الشفاء يتعقب المرض ، وتنبيها على عظم المنة بالعافية بعد المرض من غير تراخ ، ثم عطف الإحياء بعد الإماتة بثم ؛ لأن الإحياء بعد الموت إنما يكون بمهلة وتراخ ، ولو عطفت الجمل في هذه الآية بعضها على بعض بالواو لتم المعنى المقصود ، ولكن الذي ورد به التنزيل أدخل في المعنى وأعجب في النظم ، وأليق ببلاغة القرآن وفصاحته ، ومن ذلك قوله تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) [ عبس : 17 - 22 ] فانظر إلى نظام هذه الآية ، ما أدخله في الإعجاب ، فجاء قوله : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ من غير واو ؛ لأنها واردة على جهة التفسير لقوله : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) والخلق هو الإيجاد ، خلافا لما يحكى عن المعتزلة من أنه التقدير ؛ لأنه لو كان التقدير لكان قوله : فَقَدَّرَهُ ( 19 ) يكون تكريرا لا حاجة إليه ، وهكذا قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [ الفرقان : 2 ] يكون مكررا على مقالتهم ، وقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) [ القمر : 49 ] فهذه كلها مع غيرها تبطل كون الخلق بمعنى التقدير ، وهذا عارض ، فعطف قوله : فَقَدَّرَهُ بالفاء تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق ، وعلى عدم التراخي بينهما ، وعطف السبيل بثم ، لما بين الخلق والهداية من التراخي والمهلة الكثيرة ، ثم عطف الإماتة بثم ، إشارة إلى التراخي بينهما بأزمنة طويلة ، ثم عطف الإقبار بالفاء ، إذ لا مهلة هناك ، ثم عطف الإنشار بثم ، لما يكون هناك من التراخي باللّبث في الأرض أزمنة متطاولة ، فأكرم بهذه اللطائف الشريفة ، والمعاني الرائقة التي لا تزداد على طول البحث وكثرة التنقير إلا غوصا على الأسرار ودخولا في التحقيق ، ولله سر التنزيل ، ما أحواه للغرائب ، وأجمعه للأسرار والعجائب . ومن ذلك قوله تعالى في بديع خلقة الإنسان : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 12 - 14 ] فتأمل هذه الآية كيف بدأ بالخلق الأول ، وهو خلق آدم من طين ، ولما عطف عليه الخلق الثاني الذي هو خلق التناسل ، عطفه بثم ، لما بينهما من